محمد جواد مغنية

522

في ظلال نهج البلاغة

بالعواقب . وهل من أمة أخذت طريقها إلى الحياة إلا بعد إعداد العدة للطوارئ والمخاطر . ( والتاركون المأخوذ منهم ) . الأيام تمرّ بسرعة ، وتأخذ منا الأنفاس والأعمار ، ويستحيل أن تعود ، ومع هذا يستطيع الانسان أن يغتنم الفرصة ، ويصنع من أيامه أمة ، لها تاريخ ، كما صنع محمد ( ص ) أو يترك أثرا نبيلا يدل عليه ، ويذكر به ، ولو إلى حين ، وبهذا يأخذ الانسان من أيامه غاليا ، كما أخذت منه غاليا ، ومن ترك وأهمل فقد غبن نفسه حيث أخذت منه الأيام أغلى شيء دون أن يأخذ منها شيئا ( مالي أراكم عن اللَّه ذاهبين ، والى غيره راغبين ) . المراد بالذهاب عنه تعالى إلى غيره - الانقياد للأهواء ، والغفلة عن العواقب والحساب والجزاء . ( كأنكم نعم إلخ ) . . لعل أبرز الفروق بين الانسان والحيوان ، وهو الطموح والنظر إلى المستقبل ، فنشاط الحيوان لا يتجاوز الحدود الضرورية لبقائه كالطعام والشراب والدفاع عن نفسه ، فلا مجتمع ومستقبل ، ولا شهرة وشخصية . . أبدا لا شيء إلا إشباع الحاجة العضوية ، وكفى ، ويقال : ان نوعا من الأفاعي ينام فور شبعه ، ولا يفيق من سباته إلا عند حاجته للأكل ، فإذا أكل عاد إلى النوم . أما الإنسان فإنه دائما أمام هدف يتوخاه ويعمل من أجله ، وأيا كان نوع الهدف فهو المقياس الوحيد لشخصية الانسان وحقيقته . . ومن كان هدفه مجرد الطعام والشراب فلا فرق بينه وبين الحيوان إلا بالشكل والهيئة ، وهذا هو مراد الإمام بقوله : ( كأنكم نعم ) لا همّ لها إلا العلف ( وتحسب يومها دهرها ) تعيش بالحاضر ، ولا يمتد نظرها إلى المستقبل ( وشبعها أمرها ) أي لا هدف لها على الإطلاق إلا الشبع . ( واللَّه لو شئت ان أخبر إلخ ) . . ظاهر هذا الكلام يدل على أن الإمام يعلم بعض الغيب ، وانه لا يخبر به خوفا أن يقال فيه من الغلو ما يوجب الكفر باللَّه ورسوله ، ثم قال : ان مصدر علمه هذا هو رسول اللَّه ( ص ) ( وقد عهد إليّ بذلك كله . . وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني ، وأفضى به إلي ) . ويتفق هذا مع صريح الآية 26 من سورة الجن : « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول » وأيضا الرسول لا يظهر على هذا الغيب أحدا إلا من ارتضى من إمام ، والإمام لا يظهر عليه إلا من ارتضى